جعفر محمد نميري
سيرة ذاتية من بيت متواضع في أم درمان إلى قيادة السودان
الحياة المبكرة والخلفية العائلية
ولد جعفر نميري في مدينة أم درمان في 26 أبريل 1930، بينما تشير بعض الوثائق الرسمية إلى تاريخ 1 يناير 1930، وفقاً لشهادة تحديد العمر الطبية بناءً على شهادة الجنسية.
كان والده، محمد نميري، من الدنقلا في الأصل، ووالدته، زينب صالح أقرب، كانت أيضاً من الدنقلا. كان موطنهم القانوني وقت ولادة نميري في أم درمان. تشير الشهادات إلى أنه أكمل جميع مراحله التعليمية في المدارس الحكومية السودانية.
جاء والداه إلى أم درمان من قرية ود نميري، جنوب شرق مدينة الدنقلا، بحثاً عن الرزق. عمل والده جندياً في قوة دفاع السودان وشارك في الحملة ضد السلطان علي دينار عام 1916.
تكونت الأسرة من الأب والأم وثلاثة أبناء: مصطفى وجعفر وعبد المجيد، الذي توفي في سن الرابعة والعشرين. كان جعفر الابن الثاني.
قصة الاسم والرؤيا
اختارت والدة نميري اسم جعفر استجابة لحلم رأته أثناء الحمل. نذرت أنه إذا كان الطفل ذكراً، ستسميه جعفر، تيمناً بجعفر بن أبي طالب، المعروف بجعفر الطيار. روى نميري لاحقاً أنه بعد أن أصبح رئيساً للسودان، كان يحلم بشكل متكرر في الأشهر الأولى من حكمه أنه يطير، ويسمع الناس من حوله يقولون: انظروا إلى هذا الرجل يطير، مستذكراً بذلك في نفسه الصلة بين اسمه وتلك الرؤيا القديمة.
الطفولة وتكوين الشخصية
العمل المبكر والتعاون
بعد انتقال الأسرة من أم درمان إلى ود مدني، كان نميري يقود أحياناً حمير الحي ويغسلها في مياه النيل، مما جعله محبوباً بين الناس وغرس فيه قيمة التعاون وخدمة المجتمع.
الفخر بالبدايات المتواضعة
ظل نميري يفخر بشدة أنه ولد في بيت بسيط ومتواضع في أم درمان. كان دائماً يقول إنهم كانوا فقراء ولكن ليسوا معدمين، وأن والدته كانت تقوم بكل أعمال المنزل وحدها، مما عزز تقديره للكفاح والصبر.
التضحيات العائلية والتعليم
كان نميري حريصاً في مقابلاته الصحفية على استذكار قسوة الحياة التي عاشها، وكيف أن راتب والده المحدود لم يمنعه من الإصرار على تعليم أولاده. قرر الوالد إيقاف تعليم الابن الأكبر مصطفى عند المرحلة المتوسطة للذهاب إلى العمل براتب أربعة جنيهات شهرياً، حتى تتاح الفرصة لجعفر لإتمام تعليمه.
بفضل هذه التضحية، استطاع نميري مواصلة تعليمه حتى التحق بمدرسة حنتوب الثانوية ضمن دفعة ضمت لاحقاً أسماء بارزة في الحياة السودانية، وهناك أكمل الدراسة الثانوية حتى السنة الرابعة.
بعد إتمام السنة الرابعة في حنتوب، نجح نميري في امتحان الخدمة المدنية، لكن الظروف المالية للأسرة لم تسمح بمتطلبات التعليم الجامعي، فاختار بدلاً من ذلك الالتحاق بالقوات المسلحة.
الالتحاق بالكلية الحربية
يروي نميري دافعه للالتحاق بالكلية الحربية وطبيعة مشاعره في بداية مسيرته العسكرية:
”شعرت أن الالتحاق بالكلية الحربية سيؤمن لي دخلاً لمساعدة أسرتي. كان راتب الضابط حديث التخرج أربعة جنيهات ونصف شهرياً. كنت أرسل نصفه إلى والدي ووالدتي، مع مبلغ آخر كان يرسله أخي مصطفى إليهما. عندما تسلمت أول راتب لي كطالب عسكري، جنيهان ونصف، شعرت أنني خرجت من دائرة العالة وأصبحت قادراً على إعالة أسرتي وإشباع حبي للعمل الجاد والحيوية والرجولة في الحياة العسكرية.
كما روى أنه عندما تسلم راتبه لأول مرة، خصم سبعين قرشاً، وبالباقي اشترى حلوى ولعباً لأطفال الأسرة، وسار مسافة عشرة كيلومترات لتوفير أجرة المواصلات، فشعر الأطفال بحلاوة المال الذي حصل عليه ابن عمهم من الكلية الحربية.
التدريب العسكري وشهادة عبد الله شرف الدين
تجربة التدريب القاسي
في الكلية الحربية، خاض نميري تدريباً قاسياً اعتبره مصنعاً للأبطال وعرين الرجال. من أبرز المشرفين على تدريبه كان الملازم أول عبد الله شرف الدين عبد الرحمن، أحد أبرز جنود الجيش السوداني وأبطال قوة دفاع السودان الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية وحروب مصر وإثيوبيا وليبيا.
الثقة المبكرة في مستقبله
روى نميري أنه قال لعبد الله أثناء التدريب: أنت تريد التخلص مني، لكنني رجل. فرد عبد الله: أرى فيك صفة لم أرها في إخوتك. لديك مستقبل السودان المشرق فيك. حظي عبد الله لاحقاً باهتمام خاص من نميري حتى بعد وصوله إلى الرئاسة، إذ أقام خيمة عزاء لمدة ثلاثة أيام عندما توفي.
المسار المهني والعسكري
الالتحاق بالكلية الحربية
التحق نميري بالكلية الحربية كطالب عسكري بهدف مساعدة أسرته مالياً وبناء مستقبله العسكري.
التخرج برتبة ملازم ثان
تخرج من الكلية الحربية برتبة ملازم ثان والتحق بالقيادة الغربية في مدينة الفاشر، حيث اشتهر بشدة العسكريين هناك.
التنقل بين مناصب الجيش شمالاً وجنوباً
خدم في مواقع مختلفة في أنحاء السودان، شمالاً وجنوباً، واتُهم أكثر من مرة بالتخطيط لانقلاب عسكري قبل أن يرتقي تدريجياً في الرتب.
قيادة السودان والترقية إلى رتبة مشير
وصل إلى قمة السلم العسكري والسياسي في السودان وتمت ترقيته إلى رتبة مشير.
المغادرة إلى الخارج
غادر السودان في مارس 1985 بعد الانتفاضة الشعبية، وظل في الخارج حتى عودته عام 1999.
العودة والتقاعد
صدر قرار بإحالته للتقاعد على المعاش اعتباراً من 16 يونيو 1999، دون اتخاذ إجراءات قانونية ضده عن الفترة السابقة.
الجذور الاجتماعية والانتماء
رغم بساطة البيت الذي ولد فيه نميري في أم درمان، فإنه ينتمي إلى عائلة مميزة من الأشراف. جده الأكبر ولد في قصر نميري، الذي لا تزال أطلاله باقية في الدنقلا، وكان أجداده أمراء وحكاماً على المنطقة الممتدة من كريمة إلى كورتي.
هذا المزيج من الأصول المتواضعة والجذور المميزة ساهم في تشكيل شخصية تجمع بين الفخر بالانتماء الاجتماعي والشعور بالمسؤولية تجاه الفقراء.
السمات الشخصية لنميري كما تعكسها سيرته المبكرة
- إصرار قوي على التعليم رغم الظروف الصعبة، بفضل دعم الأسرة وتضحية الأخ الأكبر مصطفى.
- شعور مبكر بالمسؤولية المالية تجاه الأسرة، تجلى في تخصيص جزء كبير من راتبه لوالديه بعد الالتحاق بالكلية الحربية.
- الفخر بالانضباط العسكري وحب العمل الشاق والحياة الصارمة التي توفرها المؤسسة العسكرية.
- الوفاء لمن وقفوا معه في بداياته، مثل الملازم أول عبد الله شرف الدين عبد الرحمن.